لماذا نطلب من الكون ضمانًا لا يملكه؟
- Jan 7
- 3 min read

— أنا لا أخاف من التفكير لكنني أخاف من الأشياء التي لا أعرف إلى أين سيقودني التفكير إليها حين أتبعُها، أو ربما لأنني أعرف جيدًا إلى أين قد تنتهي. لا أحبُّ الأسئلة التي ليس لها إجابةً نهائيةً، وأكثر ما يقلقني هو أن أرحل بعيدًا ثم لا أجد شيئًا في النهاية… لا جوابًا أخيرًا، ولا خاتمةً تليق بي، ولا تعويضًا عمّا انكسر.. أشعر كأن الأرض تتحرّك تحت قدميَّ، وكأن كلَّ ما تعلّمته يمكن أن يفقد معناه دفعةً واحدةً. لا أفهم لماذا يُرادُ مني التفكير أكثر مما تحتمل الحقيقة؟ هناك أشياء يجب أن تبقى كما هي.
= أظنكِ عالقةً في وهمٍ قديم.. إنكِ تطلبين عكازًا.
— عكازًا؟
= شيئًا تمسكين به كي لا تسقطي.
تتصورين أنَّ الاكتمال لا يحدث إلا داخل حدود، أنَّ المعنى لا يُولدُ إلا إذا حُصِرَ بين بدايةٍ ونهايةٍ واضحتين. لكن الحياة لا تعمل بهذه الأناقة. الكونُ نفسه مرَّ بما تمرّين به. كان نقطةً، ثم راودَه فضولٌ لا يُحتمل: ماذا سيحدثُ إن تجاوزتُ ذاتي؟ لم يتّسع لأنه كان ناقصًا داخل حدوده، بل على العكس... لأنه كان أكثر منها.
تلك النقطة الصغيرة التي انبثق منها الكون لم تُخلَق لتُشير وتُحدِّد وتُسمّي الأشياء كما ظننّا طويلًا. لم يكن هدفها أن تكون شيئًا واحدًا إلى الأبد.
نقطةٌ صارت خطًّا. خطٌّ صار سطحًا. سطحٌ انحنى، ثم تقوّسَ... ثم فجأةً، بلا سبقِ إنذارٍ، وجدت نفسها فضاءً لا يُعرَفُ له بدءٌ ولا انتهاء.
— وهل تطلب مني أن أحب الفوضى؟
= لا، بل أطلب منك ألا تخلطي بين التمسك بأفكاركِ الثابتة والنجاة. تلك النقطة، أدركت أن الاختصار خان روعتَها، وأؤمن أنكِ، عاجلًا أم آجلًا، ستصلين إلى الإدراك نفسه. الأسماء والمعاني ليست حقائق مطلقةً.. "هذا حق/هذا باطل." "هذا أنا/هذا الآخر." إنما هي محضُ أدواتٍ صُمِّمت لعقولٍ لا تحتمل الغموض. إنها نافعة فقط ما دمنا صغارًا بما يكفي لنحتاجها. لكن ما إن يبدأ الاتساع، وتتجاوزين نفسكِ مرةً تلو مرةٍ، بلا توقف، تنهار هذه الأدوات. كأنك تضعين لافتة “قِفْ” في منتصف عاصفةٍ.. الهواء سيمحيها قبل أن تنتهي من وضعها.
— يعني… كلما فكرتُ أكثر سأفقد الأشياء التي أستند إليها؟
= لا، بل ستفقدين ما كان يستند عليكِ أصلًا لا العكس. هناك فرق بين ما يدعمك حقًا، وما يسيطر عليكِ بحجة الدعم.
تخيلي الأمر أشبه بخط صغير رسمتهِ يومًا على ورقة، ثم قررتِ أن تسيري عليه طول عمرك كي لا تتوهي. لكن الخط لا يشرح الحياة التي في الخارج.
— ماذا يعني هذا؟
= يعني أنكِ كنتِ “نقطة” تحاول أن تكون شيئًا واحدًا إلى الأبد. ثم صرتِ خطًا: فكرة واحدة تتمسكين بها. قد يصير الخط سطحًا: احتمالات أكثر، أسئلة أكثر، ألم أكثر. ثم يبدأ السطح بالانحناء والتقوّس… وتكتشفين فجأة أن ما كنتِ تحسبينه حدودًا… كان مجرد زاوية رؤية.
— ما الذي سأكتسبه من هذا كلّه، غير الضياع والخوف؟
= ستدركين أن الضياع والخوف لا يعنيان الخطأ. بل في عالم فوضوي، قد يكونان دليلًا اقترابك من شيء حقيقي.
أنتِ لا تحبذين الأسئلة التي ليس لها إجابة نهائية. لأنكِ تريدين أن تنامي. والسؤال المفتوح يترك النور مشتعلًا.
وتتمنين نهاية تليق بكِ وتفسّر الظلم والعشوائية، وهذا من حقكِ، لكن انتبهي، فالتمنّي شيء، وبناء حياتكِ على ضمانٍ كوني شيء آخر.
— إذًا، ماذا أفعل حين لا أجد بداية ونهاية؟
= اسألي نفسك سؤالًا أبسط: “هل التفكير بهما يحررني أم يحبسني؟” بعض الأفكار الراسخة ضرورية كي نعيش يومنا. لكن حين تتحول إلى سجن… يصبح الدفاع عنها نوعًا من التناقض. في الكون.. تفقدُ البداية معناها؛ إذ إنَّ الأمور لا تسيرُ في تعاقبٍ، بل تنبثقُ كلُّها في آنٍ واحد. وتفقد النهاية معناها حين يصبح امتداد هذا الاتساع كلّه أبعد من قدرة العقل على الإحاطة.
— أحيانًا أشعر أنني لن أصدق ما سأتوصل إليه إلا إذا رأيتُه في عيون الآخرين… إذا وجدتُ من يؤكد لي أنني على حق، وأنني لست وحدي.
= هذا احتياج إنساني، لا عيب فيه. لكن لا تجعليه محكمة. اطلبي الصحبة، لا الشهادة.
أتذكرين تلك النقطة التي لا تكفُّ عن تجاوز ذاتها حتى تتبدّدَ في كون؟ أتظنين أنها في حالتها هذه ستلتفت إلى نقاطٍ أُخر؟! هي لا تدخل نطاق المقارنة أصلًا فالمقارنة تفترض حدودًا للقياس عليها.
حين تزول حدودكِ ينهارُ معناها... لنكن صريحين... الالتفاتُ بالمقارنة ليس عبثًا فحسب، بل سوءُ فهمٍ لما أصبحتِ عليه. ففي فضائِك ستفقدُ الحدودُ قدرتَها على تعريفِكِ، أو مساءلتِكِ، أو الادّعاء بأن لها رأيًا فيكِ.
الوعي الذي يسكنكِ الآن، ذلك الجزء الصغير الذي تعرفينه وتُسمّينه نفسكِ، ليس إلا نقطةً. ستتسع كلما سألتِ، كلما خفتِ، كلما أحببتِ، وكلما اقتربتِ من محاولة فهم أشياء تفوقُ قياس البشر.
اتّسعي. فحدودك أضيق من أن تكون حقيقيةً، وليس فيكِ ما يعجزُ عن الاتساع.
— هذا مُخيف.
= مُخيفٌ وجميل، لأنكِ لأول مرة لن تحاولي أن تجعلي الكون يفهمكِ بسرعة… بل ستحاولين أن تفهميهِ أنتِ ببطء.
— ولكن إن استمرَّ هذا بلا نهاية، ألن يكون ذلك عبثًا؟
= العبث ليس في الاتساعِ، بل في الاختزال، أن تختصري نفسكِ لتستريحي، ثم تسمي الراحة “معنى”. الغموض متعب، نعم… لكنه أصدق من أي نظام مصقول لا يمكن مساسه أو مساءلته. وهذا ما يجعل من الكون خلّابًا. تخيّلي أن يكون هذا الكون كله أنتِ.
— أتخيل.
= لا بدَّ أنه مشهدٌ مدهش.
— أنتِ ترين نصفه فقط.
= والنصف الآخر؟
— يحدثُ داخلي الآن.
Comments