هل نحيا كنساءٍ كما نحن… أم كما يريدون؟
- Feb 8
- 3 min read

A tightly packed crowd seen from above. Everyone blends into one mass, except one woman at the center, looking up, isolated and exposed despite being surrounded. It captures the feeling of being overwhelmed and alone inside the collective.
تلك الغربة تأتي حين تكتشفين أن ما يسمونه بديهيًا ما هو إلا اتفاقًا جماعيًا على ألّا يُسأل أو يُنتقد. هي غربة البديهيات وليست غربة المسافة، غربة أن تُطالبي بالاندماج في منطقٍ لا يشبهك ولم يعبّر عنك يومًا، وأن تبتسمي مجاملةً لنسخٍ من العالم لا تُشبه العالم.
هم يملكون نُسخةً جاهزة عمّا يُقال ومتى يُقال، متى يصير الكلام عيبًا ومتى حديثًا عاديًا، كيف تُحبين بلا "فضيحة"، وكيف تكرهين بلا ضمير، كيف تُقاس أخلاقك بمظهرك لا بأفعالك، متى تتزوجين قبل "أن يفوتك القطار"، ومن تتزوجين بشرط أن توافق عليه العائلة، وكيف يُدار زواجك كصفقة نكاح وخضوع طويلة الأمد. ثم يأتي الإنجاب كبند إلزامي في الصفقة، متى تنجبين وكيف تنجبين، طبيعيًا أم قيصريًا، وكم طفلًا "يكفي"... هذا ولدٌ “سند وعزوة”، وهذه بنتٌ “سترة”، وهذا ثالثٌ “رزقه معاه”، ثم فجأةً يصبح الرابع "تهوّرًا"، والخامس "عدم مسؤولية". ثم يتدخّلون في أدقّ التفاصيل؛ رضّعي/لا ترضّعي، نامي/لا تنامي، اتركيه يبكي/لا تتركيه يبكي، حتى آخر القائمة..
إنه بكل تأكيد تدريب طويل على تصغير النفس، حتى في حياتك اليومية.. بأي قدم تدخلين الحمام وبأي يد تأكلين، كيف تمشين، تجلسين، تضحكين، تلبسين، ترفعين عينك، تعتذرين، تتنازلين. تتنازلين. تتنازلين.
حتى "الطبيعي" عندهم له تعليمات: قدرٌ محسوب من الفرح لا يفيض، حزنٌ في الخفاء لا يُحرج صاحبه، طموحٌ لا يتجاوز السقف المسموح، ورأي لا يجرح الكبير.
هذه النسخة المغلفة من الحياة تُقدّم لكٍ كطبقٍ بديهي لا يحتاج شرح نفسه، الحياة لا تحدث إلا بهذه النسخة، وإلا تكونين غريبة.. صعبة.. مفتونة بنفسكِ.. أو التهمة المفضلة: مش طبيعية. وأنتِ، لا تتعطلين في نسختهم لأنك معقّدة، بل لأنكِ لا تستطيعين ابتلاع ما في الطبق كما هو. في كل مرة يحاولون إقناعك بأن الطبق لذيذ، تدركين أنه لذيذ فقط لأن الجميع تعلّم ابتلاعه جيدًا دون سؤال: لماذا هذا الطبق أصلًا؟ ومن صنعه لنا؟ حد غيري عارف إن طعمه ابن وسخة ولا أنا اتجننت؟!
لهذا يسيئون فهمكِ كثيرًا، يظنون أنكِ تتصنعين العمق، أو تستعرضين ذكائكِ عليهم، أو تتعمدين أن تكونين"صعبة"، بينما الحقيقة أشد بساطة وهي أنكِ استنزفتي طاقتكِ في الزيف كي تنتمي. حتى لم يعد بوسعك التصفيق لمشهدٍ لا تصدقينه حتى لو صفّق الجميع.
والأصعب أنكِ تدركين أن اختلافكِ ليس وسام شرف، لا يهبك حقّ احتقارهم، ولا يجعل منك كائنًا مُرسلًا لإنقاذ العالم من غفلته. على العكس، إن أفلتِّ من منطقهم يومًا، صار منطقكِ وحده مسؤوليتكِ، وحينها، عزيزتي قد يغدو من الحكمة أن تلتفتي لإنقاذ نفسك أولًا قبل أن تفكري في إنقاذ العالم.
إن ثمن هذا الاختلاف هو تلك الوحدة المؤقتة التي تقضينها في محاولة انتشال نفسك، وذلك المجهود المرهق في بناء فهمكِ وفلسفتكِ ومنظومتكِ الخاصة، ويصبح هذا المجهود الذي لا بدّ منه شكل من أشكال احترامكِ لذاتك. لكنكِ تبنين منظومة في أرضٍ لم تُستكشف بعد.. تختارين أساساتكِ بنفسكِ، وتختبرينها بالزمن، وتعيدين ترتيب الأشياء كلّما اكتشفتِ خطأً أو تحيزًا أو وهمًا، هنا تتعلمين أن ما تبنينه ليس بالمطلوب أن يكون متينًا متحجرًا، بل أن يكون لديك داخله حق التغيّر، حق الشك والسؤال، حق التراجع، وحق أن تتعلمين من "العاديين" أيضًا.. فالحقيقة لا تحتكرها فئة واحدة من الناس. ومع بناء هذه المنظومة، يتغير معنى العلاقات بالطبع، فلا تعودين تبحثين عن أي أحد، بل عن ذلك الشخص الاستثنائي الذي ستنجمين معه انسجامًا خفيًّا حتى تصبحين بحضوره أنتِ.. كما أنتِ. لا يخاف غربتك، ولا يحاول إصلاحها، بل يعيش الغربة نفسها.. معكِ، ويعلم كم هي نبيلة وضرورية.
وبمرور الوقت ستتعلمين أيضًا أن تكوني رحيمةً بما يكفي لتتركي الآخرين كما هم، دون تعالٍ. صار من المعلوم أن الحياة تُرهق الناس، وأن التشابه قد يكون حيلةً للبقاء. لا بدّ أنه من المتعب حقًا أن يعيش المرء بلا سؤال، وكم هو مُفزع أن يتنازل عن صوته الداخلي كي ينجو اجتماعيًا.
Comments